مقابلة جريدة الرأي مع السيد أحمد اللوزي رئيس الجمعية

أحمد اللوزي.. نموذج تحد وإصرار على العطاء

نداء الشــناق -الرأي – قد يعمى البصر لكن لا تعمى البصيرة.. هناك من المكفوفين من أصبحوا رموزاً ومن صنعوا مستقبلهم وخاضوا مضمار الحياة ليثبتوا للمبصرين صحة مقولة إنهم قادرون.
أحمد محمد اللوزي، هو والد لأربعة أبناء استطاع بفضل أسرته المتفهمة والمتعاونة التي ذللت له الصعاب أن يتخطى هذه الإعاقة وأن يثبت للجميع هو وغيره من المكفوفين أنهم يستطيعون شق طريقهم فكان شعلة نشاط لم تنطفئ.. تحدى ظروفه وصبر عليها وصاغ كل منها كل ما يمكن أن يجعل منه إنساناً منتجاً لمن يحيط بهم.. انه التحدي والإصرار على الحياة، حتى أصبح رئيساً لجمعية الصداقة للمكفوفين ورئيساً للاتحاد الآسيوي للمكفوفين.
«الرأي الشبابي» التقى رئيس جمعية الصداقة للمكفوفين – رئيس الاتحاد الآسيوي للمكفوفين أحمد محمد اللوزي الذي استعرض لنا سيرته الذاتية وما قدم للمكفوفين محلياً وعالمياً، وتالياً الحوار:

كيف بدأت مشوارك المهني في ظل إعاقتك؟
على الرغم من إنني ولدت مبصراً إلا أنني تعرضت لإصابة بعمر ثلاث سنوات وأصبحت كفيفاً وعشت في كنف أسرة آمنت بظروفي وساعدتني لأتخطى هذا القدر كي لا أشعر بالفرق بيني وبين أخواتي المبصرين فحظيت بالمعاملة نفسها وبالفرصة نفسها في كل شيء، درست في المدرسة العلائية للمكفوفين في مدينة رام الله في بداية الستينيات حيث تعلمت طريقة برايل هناك ومن ثم واصلت تعليمي في كلية علم الاجتماع بدمشق حيث درست العلوم التربوية والاجتماعية، وتزوجت ورزقت بأربعة أبناء وأنا الآن رئيس لجمعية الصداقة للمكفوفين ورئيس الاتحاد الآسيوي للمكفوفين.

أبرز المشاكل التي واجهتك في مسيرة حياتك؟
المشاكل التي واجهتني هي المعتادة التي تواجه أي شخص كفيف رغم أنني لم أشعر بذلك في الصغر فقد كنت ألهو والعب مع المبصرين ولم اشعر بأي فرق بيني وبينهم في تلك الفترة، لكن لم تواجهني المشاكل الحقيقية إلا في المرحلة الدراسية مع عدم توافر الكتب الدراسية بطريقة (برايل)، كما انه لا توجد أشرطة كاسيت معدة لهذا الغرض، وللأسف فإن أغلب الأساتذة في الكلية لا يعطون الطالب المعاق وقتا أكثر من الطلبة العاديين لأنهم لا يعون حجم المعاناة، مما يدفعنا إلى بذل جهد ووقت أكبر لمواجهة كل تلك المشاكل التي كنت ولله الحمد أتغلب عليها ولكن بصعوبة، مثل محاولة العثور على قارئ خاص يسجل لي أشرطة بالمواد والتكلفة المادية لذلك، وللأسف فإن هذه المشكلة لا تزال قائمة حتى يومنا هذا ولا يزال الطلبة المكفوفون يطالبون بأعلى أصواتهم بإيجاد حل يخلصهم من هذه المعاناة.

باعتبارك رئيساً لجمعية الصداقة للمكفوفين هل حاولت إيجاد حلول بديلة لهذه المشكلة؟
الحقيقة أننا تقدمنا بالعديد من الكتب الرسمية للجامعات والكليات كما صرحنا لكثير من وسائل الإعلام شارحين مشكلتنا لكن في المقابل لم يسمع صوتنا ولجأنا كجمعية إلى طباعة الكتب للطلبة بطريقة برايل وتوزيعها مجاناً لهم، كما نقوم بالتبرع بشكل مجاني للطلبة بمسجلات وأشرطة تسجيل، ونحاول ما نستطيع أن نوفر للطلبة كل الوسائل المتاحة التي تساعدهم على إكمال مشوارهم التعليمي. حتى إننا في الجمعية قمنا بإنشاء مكتبة الكترونية ناطقة متكاملة للطلبة المكفوفين وضعاف البصر، حيث تساعدهم هذه المكتبة في ردم الفجوة الكبيرة بينهم وبين المبصرين. فالطالب أو الباحث عن العلم بإمكانه استخدام المكتبة الالكترونية بكل بساطة ويسر كون الأجهزة مزودة بأحدث إصدارات البرامج الناطقة وأدوات برايل (أسطر الكترونية) كما أنها مزودة بمعدات أخرى حديثة تتيح للمستخدم طباعة أي مادة مباشرة على طابعة برايل أو نسخ أي مادة وتحويلها إلى صوت على (سي دي) لكي يحفظها لديه للعودة إليها عند الحاجة.

حدثنا عن جمعية الصداقة للمكفوفين وما تقدمه من خدمات لأعضائها؟
انطلاقاً من الإيمان بأن الإنسان الكفيف عنصر فعال قادر على الإسهام في عملية البناء والتطوير، فقد تم تأسيس الجمعية لتترجم علنياً هذا المفهوم وتحويله إلى واقع ملموس يلغي كل المفاهيم القديمة التي كانت ملتصقة في الأذهان عن كون الكفيف عاجزاً كلياً كونه فاقداً للبصر. وقد كنا نؤمن بأن المعيار الحقيقي للنجاح يتمثل في إبراز ما يمكن أن يحققه الكفيف على صعيد الواقع. لذلك جاءت فكرة تأسيس الجمعية في العام 1977 لتبرهن بأن القدرة لا تعتمد على الحواس بل تعتمد على الإصرار الكامل، وأن المكفوفين لا ينقصون عن نظرائهم المبصرين إلا بحاسة واحدة يمكن الاستعاضة عنها بطرق أخرى.
في الحقيقة فإن الجمعية ومنذ تأسيسها سعت إلى تبني جميع قضايا المكفوفين وعملت وما تزال تعمل وفق الإمكانيات المتاحة على حل معظم القضايا التي يواجهها الكفيف في كثير من الأحيان. فقد تمكنت الجمعية خلال مسيرتها على تأمين ما يزيد على 1000 فرصة عمل للمكفوفين في كلا القطاعين العام والخاص، بالإضافة إلى إقامة مشروع الأكشاك في العاصمة وباقي المحافظات، حيث استفاد منها العديد من المكفوفين على مستوى المملكة ووفرت لهم دخلاً مقبولاً لتأمين حياتهم اليومية ومتطلباتها.
ولابد من أن نذكر تعاون الجمعية الكبير والمكلف جهداً ومالياً لتأمين الدراسة المجانية للمكفوفين في الجامعات الرسمية، حيث استطاعت الجمعية خلال كامل فترتها أن تؤمن دراسة مجانية كاملة في الجامعات الرسمية للمكفوفين فضلاً عن الخدمات التي تم ذكرها سابقاً في تأمين مستلزمات الدراسة ومتطلباتها وكل ذلك بشكل مجاني.
وقد استطعنا عبر الكوادر المختصة بالجمعية إنجاز أول مكتبة عربية لكتب الديزي في العالم وهي تقنية خاصة ومجهدة مكلفة تتيح للمكفوفين الاستماع الصوتي لمجموعة من الكتب بطريقة سهلة ومبرمجة. وهي متاحة مجاناً على موقع الجمعية لجميع المستخدمين.
هذا ما استطاعت الجمعية تقديمه خلال الفترة الماضية فضلاً عن المساعدات النقدية واللوازم الضرورية للمكفوفين مثل العصا البيضاء وألواح برايل وطابعات البيركنز وساعات برايل وغيرها وكلها تقدم مجانياً بعد دراسة الحالة.

هل وضعتم خطة لتطوير عمل الجمعية؟
في الحقيقة، فإن الجمعية بكادرها وأعضائها مواكبون بشكل مستمر لحركة النهضة العالمية في ما يخص العمل مع المكفوفين. فقد شاركت الجمعية في العديد من الحملات والاجتماعات والمؤتمرات الدولية، واستطعنا نقل الخبرات والتطورات الخارجية إلى الأردن. ومازلنا نبحث عن المزيد كون العالم التكنولوجي لا يقف عند حدود معينة. فكل يوم نرى الجديد والمثير في عالم المكفوفين تتمثل باختراعات جديدة أو تطوير لصناعات محددة. ونحاول أن نكون موازيين لحركة التطور الخارجية حتى لا نكون بعيدين عنها لمسافة طويلة.

ماذا عن الدعم الرسمي والموارد المالية للجمعية؟
نحن نتلقى دعماً من بعض المؤسسات والوزارات الحكومية، ولكن هذا الدعم غير كاف بالإضافة إلى أننا نتلقى دعماً من جهات أخرى من أصحاب الأيادي البيضاء، وكما ذكرنا في السابق فإن الدعم المالي مطلوب لتحقيق التطور التنموي والتقني للمكفوفين.

هل تجد أن هناك منافسة بينكم وبين الجمعيات الأخرى في المملكة؟
التنافس جيد، ويحقق العديد من الأهداف العامة للمكفوفين، والمنافسة في الواقع هي منافسة خدمات ولا تشكل أي منافسة أخرى. ولكن دعيني أوضح الصورة فجمعية الصداقة للمكفوفين هي الوحيدة في الأردن التي تقدم خدمات على مستوى المملكة. بينما باقي الجمعيات هي جمعيات تعمل على مستوى المحافظات.

هل ترى أن هناك تغيراً بين الماضي والحاضر بالنسبة للمكفوفين؟
نعم، هناك فرق شاسع بين الماضي والحاضر، المجتمع الآن يدرك تماماً أهمية وقدرات الأشخاص ذوي الإعاقة عموماً، وباتت المؤسسات الخاصة والعامة على دراية تامة بواقع المكفوفين ومدى إمكانياتهم. ولابد أن أتقدم هنا بالشكر الكبير لراعي الأشخاص ذوي الإعاقة سمو الأمير رعد بن زيد الذي مازال مصراً على محاربة كل أشكال التمييز ضد الأشخاص ذوي الإعاقة، ومحارباً لحمايتهم والدفاع عنهم.

ما رأيكم بموضوع الدمج التعليمي والذي أصبح حديث الشارع لذوي الإعاقة؟
انا أرى ان الدمج التعليمي يعتبر خطأ فادحاً في مراحله الأولى ذلك لأن الكفيف يحتاج إلى عناية خاصة ومتابعة خاصة تختلف عن الشخص المبصر، وعلى الرغم من أنهم يدرسون المناهج التعليمية التي تدرس في التعليم العام إلا ان الكفيف سيواجه صعوبة في تلقي المعلومات وسط هذا الكم الهائل من الطلبة في فصول التعليم العام، وأغلب المدرسين في التعليم العام يعتمدون في شرحهم على السبورة وهذا سيسبب إحباطا للطالب الكفيف في اكتساب معلوماته الدراسية ومواصلة تحصيله العلمي. وهناك دراسات دولية أثبتت أن الطلبة المكفوفين المدمجين مبكراً لم يتمكنوا من مواصلة تعليمهم في المراحل الجامعية إلا ما ندر وبخاصة في ظل عدم توافر المعدات الممكنة والأشخاص المؤهلين لتأهيل الدمج. لذلك فنحن بحاجة إلى إعداد هذه الكوادر وتأمين بعض المعدات قبل البدء بعملية الدمج.

ما تقييمكم لعلاقاتكم الدولية مع المؤسسات والجمعيات المعنية بالمكفوفين؟
هناك علاقات ودية وتعاونية مع العديد من المؤسسات الدولية، وهناك زيارات متبادلة بيننا نتبادل فيها الخبرات والأمور التي تهم شؤون المكفوفين.

أحمد اللوزي أنت فزت برئاسة الاتحاد الآسيوي للمكفوفين في العام 2008. حدثنا عن هذه التجربة.
الاتحاد الآسيوي للمكفوفين هو اتحاد دولي غير ربحي غير حكومي وليس له أي صلة بالأمور الدينية أو العرقية أو السياسية، وهو إقليم أساسي وحيوي من أقاليم الاتحاد العالمي للمكفوفين الهيئة الدولية المنظمة لعمل المكفوفين في العالم تحت رعاية الأمم المتحدة.
الاتحاد الآسيوي يضم نحو تسعين مليون كفيف وهذا يحتاج إلى خدمات مستمرة ورعاية كاملة.
لقد كنت في السابق أمين صندوق الاتحاد الآسيوي للمكفوفين قبل العام 2008. وفي الحقيقة سأعود إلى نقطة جمعية الصداقة للمكفوفين التي ترتبط بكوني أصبحت رئيساً للاتحاد. إن التطور التي حصدته الجمعية على مسار سنواتها هو ما جعلنا نسمو بأعمالنا دولياً فعندما جاءت الانتخابات للاتحاد الآسيوي للمكفوفين في الهند بالعام 2008 كان هناك مرشحون للرئاسة زميل من الهند وهو مسؤول عن جمعية كبيرة وأحمد اللوزي من الأردن. في الحقيقة المنافسة كانت شريفة واستطعت بحمد الله أن أحصد 80% من أصوات الدول المشاركة في القارة الآسيوية. وهذا كما ذكرت يعود إلى سمعتنا الطيبة والعملية كجمعية في الأوساط الدولية.

طبيعة عمل الاتحاد الآسيوي للمكفوفين وماذا استطعت أن تحقق من خلاله؟
كما ذكرت فإن الاتحاد الآسيوي للمكفوفين هو مؤسسة غير ربحية. يقدم برامج ومساعدات تدريبية للمؤسسات الأعضاء في الدول التابعة للاتحاد. مثال على ذلك ورشات عمل، تدريب، تأهيل، خدمات، معدات.. كل ذلك يموله الاتحاد الآسيوي للمكفوفين ضمن أسس وشروط تضطلع عليها الهيئتان الإدارية والتنفيذية للاتحاد. شخصياً ما حققته في الاتحاد ينقسم إلى شقين؛ الشق الأول منه استطعت أن أنقل جميع الخبرات التي صادفتها خلال عملي الدولي إلى الأردن واستفدنا في بعض الحالات. هذا محلياً أما دولياً فقد استطعت أن أوسع عضوية الاتحاد الآسيوي للمكفوفين وأن أكون منبراً رسمياً مدافعاً عن حقوق قارة آسيا على المستوى الدولي.

بالعودة إلى الوضع الداخلي للمكفوفين في الأردن فقد برز في الآونة الأخيرة عدد من القضايا العالقة والتي تحتاج إلى متابعة مثل الإعفاء الجمركي، وقبلها كانت الانتخابات النيابية. ما هو دور جمعية الصداقة في هذه القضايا؟ وكيف ساهمت وتساهم في حلها؟
أبدأ بالانتخابات النيابية؛ لقد حققنا كجمعية الصداقة بالتعاون مع حملة تكافؤ والمجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة انجازات مهمة على هذا الصعيد. من حيث ضمان مشاركة الأشخاص ذوي الإعاقة في الانتخابات وتأمين المتطلبات الأساسية لهم من تسهيلات بيئية واحتياجات أخرى قد يتطلبها الوضع.
أما بموضوع الإعفاءات الجمركية فهذا له ترتيب آخر ومنافسة أخرى.
كوني عضواً إدارياً في المجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة فأنا على اضطلاع تام بهذا الموضوع.
في الحقيقة هناك حواجز بيننا وبين الإعفاءات الجمركية للمكفوفين تتمثل في طبيعة هذه الإعفاءات وشروطها. فهي بحاجة إلى دراسة وافية تتطلب مراجعات وأسساً نعمل عليها حالياً وهي في الواقع حق طبيعي للمكفوفين كونها وردت في القانون 31 لسنة 2007 الخاص بذوي الإعاقة ولكن كما أشرت فهناك أسس يجب أن نتشاور فيها مع المؤسسات الحكومية الأخرى المعنية بهذا الموضوع مثل مديرية الجمارك والضريبة وغيرهما.
الموضوع يسير الآن في شكله الرسمي وتم تشكيل لجنة للرد على اعتراضات المديريات التي ذكرتها وأنا عضو في هذه اللجنة، ونعمل الآن في هذه اللجنة المشكّلة من قبل المجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة على إخراج الصيغة النهائية لقانون الإعفاءات بالتعاون مع جميع المؤسسات المعنية. وأعتقد أن نظام الإعفاءات سيكون في صيغته النهائية بعد استيفاء الأصول القانونية له.

August 1, 2011